سلمى
فكرية ثقافية فلسفية سياسية
الكونية والخصوصية
الحداثة الغربية وسؤال البديل

حسن أبو هنية

 تندرج الثقافة اليوم في خانة القضايا الاستراتيجية الأكثر أهمية باعتبارها قيمة جوهرية تؤسس لمجمل العمليات التي تسعى إلى تنمية الإنسان والارتقاء به إلى مراتب الكمال. ولعل سؤال الحداثة والتقليد الذي انشغل به الفكر الإصلاحي ضمن إشكالية التقدم والتأخر لا يزال يطرح نفسه بقوة على النخب الإصلاحية العربية والإسلامية اليوم.

 كانت الفكرة السائدة، في فكر الإصلاحيين العرب والمسلمين، هي أن التقدم الأوروبي جاء بفضل النهضة العلمية، ولذلك فإن النهضة العربية لا بد أن تنسج على منوالها باقتباس العلوم التي صنعت النهضة، والمقصود بالعلوم في هذا السياق هي العلوم الدقيقة التي تمكِّن الإنسان من السيطرة والتحكم في الطبيعة وتسخيرها لإنتاج الخيرات وتساهم في تنظيم المجتمعات، ولم يجد الفكر الإصلاحي حرجا من الأخذ بهذه العلوم باعتبارها بضاعتنا ردت إلينا.

يرى المفكر الجزائري محمد أركون - في كتابه الذي صدر مؤخرا بعنوان"الإنسانية والإسلام"، من خلال المقارنة بين اللحظة الإصلاحية الأولى المجهضة في القرن التاسع عشر واللحظة الراهنة التي فشل فيها المشروع النهضوي الليبرالي- أن السبب الرئيسي لإخفاق ديناميكية التحديث يرجع إلى عقبة الدفاع عن الهوية الذي أنتجته أيديولوجيا الكفاح ضد الاستعمار والهيمنة الغربية. على الرغم من الإقرار أن هذه الأيديولوجيا مشروعة ومبررة سياسيا إلا أنها شكلت عائقا جوهريا حال دون الدخول في أفق تحديث المجتمعات الإسلامية، وهو الأمر الذي حول الحداثة إلى خصم حضاري يجب محاربته والتصدي له ثقافيا وفكريا تماما، كما تمت محاربة الاستعمار عسكريا وسياسيا.

أركون، في هذا الكتاب وفي غيره من الكتب، يقف موقفا صارما وحاسما من مجمل الأفكار على اختلاف توجهاتها الفكرية وتلويناتها الأيديولوجية التي تنادي بالقطيعة مع النموذج الثقافي والتحديثي والتنموي الغربي باعتباره جزءا لا يتجزأ من نظام الهيمنة الاستعمارية، لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه المفكر الموريتاني، عبد الله السيد ولد أباه، هو حول ماهية الحداثة والتحديث: هل هي مسار كوني بمنظومة قيمية ومضامين ثقافية ذاتية أم هي ديناميكية أخلاقية برؤى وأنساق حضارية ومجتمعية متباينة؟ ويتعلق بهذا الإشكال الموقف الاستراتيجي في عملية التحديث؛ هل تكون تماشيا مع نموذج مهيمن أثبت نجاعته أو ببناء نموذج تحديثي أصيل بحسب المحددات الثقافية الخاصة؟

الإجابة على سؤال التحديث تستدعي فهما أكثر تعمقا لهذه الظاهرة من موقع الخصوصية والكونية. فإيمانويل فارلستين يرى أن الغرب والرأسمالية ونسق العالم الحديث هي ثلاث ظواهر مترابطة تاريخيا وفكريا، وهذا الترابط بلغ أوجه في القرن التاسع عشر الذي هيمن عليه فكر الأنوار، فالتصور المقدم في تفسير هذا التلازم يدور حول نظرية التقدم؛ أي انتقال البشرية وفق خط غائي تفاضلي من نسق قديم إلى نسق يحقق رقي الإنسان ورفعته.

 وفي تفسيره لنشأة الحداثة يتوقف، فارلستين، عند نموذجين، يتمحور الأول حول الديناميكية الرأسمالية، أما الثاني فيدور حول الأبعاد الحضارية القيمية. ويرفض فارلستين إرجاع آليات الحداثة الرأسمالية للظاهرة التقنية وحدها، فالخصائص المميزة لهذه الحداثة مثل حرية الذات وتوزيع الفائض وتراكم المعرفة ليست ملازمة بالضرورة للتقنية. كما أن البُنى التي أفرزتها هذه الحداثة مثل الملكية الخاصة والممارسة التسويقية والدولة ذات السيادة ترجع في جذورها إلى عوامل ما قبل التحديث.

 وقد توصل فارلستين، في دراسته حول ظروف نشأة الحداثة الرأسمالية، إلى أن انتقال المجتمعات الغربية من الإقطاع إلى الحداثة الرأسمالية له ظروف تاريخية محددة، تتلخص في أربعة عوامل وهي: انهيار نظام السيادة, وانهيار الدول، وانهيار الكنيسة، وانحسار الدولة المنغولية أي تراجع الشرق في الدورة الحضارية. إن جوهر هذه الأطروحة يشير إلى أن الحداثة والتحديث ليست ظاهرة حتمية في التاريخ، وإنما يمكن تفسيرها بعوامل تاريخية تنبني على الاحتمال.

 لا شك أن هذه الأطروحة تتعارض جذريا مع التقليد الهيغلي الذي يرى أن الحداثة عبارة عن تحول جوهري في حركة العقل الذي يتمحور حول مبدأ الذاتية الذي يعتبره "مبدأ عظمة العصور الحديثة". وقد سار على خطى هذا التقليد الفلسفي مجمل الفلسفات النقدية للحداثة كما هو الحال مع هيدغر وفوكو, إلا أن المقاربة الهيغلية لا تقدم إجابة حول إشكال تفرد الغرب بنشأة الحداثة، وهو السؤال الذي طرحه ماكس فيبر في كتابه"الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، وأجاب عليه بربط التحول بأسباب تعود إلى الإصلاح الديني وأثره على نزع القداسة عن الطبقة وعقلنة الكون والمجتمع.

 أفضت هذه الاجتهادات والنظريات إلى أن قيم ومفاهيم الحداثة تستند إلى خلفيات فكرية وتاريخية وأوروبية تتصل بالدين والنظم الثقافية، وهي محددات كونية الحداثة، التي لا سبيل إلى تجاوزها أو الخروج عليها في أي مشروع تحديثي، وقد دافع عن هذا الخيار نخبة من مفكري الإصلاحية العربية من منظورات مختلفة. ويعتبر الفيلسوف الإيراني، داريوش شايغان، أحد أبرز المدافعين عن الأطروحة الكونية للتحديث. فالحداثة ليست ظاهرة ثقافية، وإنما نمط وجود تاريخي يفرض نفسه على البشرية بأجمعها وتؤطر خياراتنا، وتجدد أطرنا المعرفية ولا يمكن من هذا المنظور الفصل الراديكالي بين التحديث والتغريب، فكل تحديث ناجح يقتضي مسبقا جرعة قوية من التغريب, ولذلك فإن شايغان، رغم إيمانه العميق بضرورة اعتبار الأبعاد الروحية وتمتعه بروح صوفية، يشن حملة شعواء على أنصار نظريات التعددية الثقافية باعتباره "خطاب حقد" يؤدي إلى نمط من النسبية العدمية المغرقة في الترجمية الطوبائية الفارغة.

 لقد تلقت نظريات الحداثة المكتملة ضربات موجعة أضعفت من صدق مقولاتها، رغم كثافة انتشارها من خلال نظريتي"التعددية الثقافية". ومن أشهر أنصارها الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور، و"التداولية الاحتمالية"، ومن أشهر أتباعها الفيلسوف الأميركي تشارلز رورتي، كما أسهم فلاسفة ومفكرون آخرون في نقل النموذج التحديثي الغربي بصفته نسقا كونيا، بمضمون ثقافي موحد، ويبرز في هذا المجال الفيلسوفان جان بول سارتر الذي اعتبر أن شرط التحرر الوجودي والمجتمعي هو التحرر من الاستلاب الثقافي والحضاري إزاء الهيمنة الغربية.

 أما روجيه غارودي فقد اعتبر أن الغرب حدث طارئ هامشي في تاريخ البشرية، وطرح فكرة القطيعة معه شرط أوحد لتحديث المجتمعات الجنوبية. ويمكن القول إن فرانتز فانون هو أحد أشهر القائلين بالقطيعة مع التحديث على النسق الغربي باعتباره تغريبا، ويعتبر كتابه "معذبو الأرض" إنجيل تيار العالم الثالثي. وفي مصر تبلورت أعمال جملة من المفكرين في سبيل الخروج من نموذج التغريب التحديثي وفي مقدمتها أعمال المفكرين أنور عبد الملك وعادل حسين، حيث دعا عبد الملك إلى ما أطلق عليه "الإبداعية"، وذلك من منظور الخصوصية الحضارية انطلاقا من المناشئ الحضارية المختلفة ومن المناطق الثقافية– القومية التي تؤلف كل من حضارات العالم الذي نعيشه لتحفيزها على صيانة الهوية الثقافية– القومية لمختلف المجتمعات بتحولاتها المعاصرة والمستقبلية وصيانة إسهامها في الحصة العقلانية في العالم.

ويميز عبد الملك بين فضاءين حضاريين واسعين؛ شرقي وغربي، لكل إيقاعه الثقافي ومقوماته الفكرية والمجتمعية مراهنا على قيام دورة حضارية شرقية، على أنقاض الناظم العام للهيمنة الغربية المتصدعة أساسها؛ المنطق الصيني والتكاملية الإسلامية والجماعية الإفريقية، الأمر الذي يكفل تجاوز أسس ومرجعيات الحداثة الغربية التي اختزلت العقلية في التعقلية.

 أما عادل حسين فقد دعا إلى"الممارسة النظرية المستقلة" من أجل تلافي اختلالات التركيبات النظرية الغربية؛ فالنظرة الشاملة تكشف عدم وجود مسار طبيعي وتكشف عن إمكانيةٍ لمسار مختلف وأكثر ملاءمة، ويستند عادل حسين في تصوره إلى الدراسات النقدية للإمبريالية الغربية التي أفضت إلى مفاهيم تعدد المراكز الحضارية، والاستقلال الحضاري، والتحديث المؤصل.

 وتأتي مقاربة المفكر الإيراني البارز، جلال آل أحمد، في سياق هذا النقد فقد ذهب في كتابه الأخير "نزعة التغريب" إلى اعتبار النموذج التحديثي الغربي وباء يجب على المجتمعات الشرقية التخلص منه للنهوض والنمو، مبينا "أن القضية المركزية في الكتاب هي أننا لا نستطيع صيانة شخصيتنا الثقافية التاريخية قبالة الآلة وهجماتها المحكمة، وإنما سحقنا وذبنا تحت عجلاتها. وأصل المشكلة أننا ما لم نع ماهية وأساس وفلسفة الحضارة الغربية، وما دمنا نصر على تقليد حركات الغرب بصورة ظاهرة وسطحية عبر استهلاك منتجاته فلن نكون أكثر من ذلك الحمار الذي لبس جلد الأسد وكلنا يعلم مصيره".

 ربما تكون المحاولة الأكثر اكتمالا من قبل الاتجاه النقدي للحداثة الغربية وعلاقتها بالفضاءات الحضارية الأخرى جاءت مع أعمال المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابيه "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية"، على وجه الخصوص، حيث رصد فيهما نظام اقتران المعرفة والسلطة والعلاقة بتشكل صورة الآخر في الثقافة الغربية، معتبرا الاستشراق أداة من أدوات اختراق الاستعمار وسيطرته ومظهرا من نظام الهيمنة المعرفية والفكرية الغربية التي يجب التحرر منها.

ويمكن القول إن أهم المحاولات التي أخذت على عاتقها نقد النمط المعرفي للتحديث والتغريب وكشفه وتعريته جاءت مع المفكر المغربي الكبير طه عبد الرحمن، والذي خرج في نقده عن سياق المقاربات الأيديولوجية النقدية، ودخل في سجال فلسفي في محاولة لتأسيس حداثة بديلة، تعمل على كسر السلطة التأويلية الغربية استند فيها إلى جملة الفتوحات الجديدة في مجال المنطق واللغة وأكد على حق التنوع والاختلاف الثقافي والفكري من داخل المنظومة الفلسفية.

باحث أردني متخصص في الفلسفة

أضافها belkis73 @ 10:54 ص
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية