سلمى
فكرية ثقافية فلسفية سياسية
نظرية النمذجة عند توماس كوهن

والآن، وابتداءً من هذا المقال، أود أن أضيف بعض التراكمات الأخرى التي حدثت في الفكر الإنساني بعد الماركسية وأدت إلى ضرورة التخطي النظري للماركسية، وعززت -في نفس الوقت- التحول الذي حدث في نموذج المعرفة الإنسانية. وقد يكون مفاجئاً للكثيرين إن أحد أهم هذه التراكمات قد حدث في مجال فلسفة العلوم الطبيعية، ونقصد التحول الذي أحدثه توماس كوهن Thomas Kuhn بكتابه (بنية الثورات العلمية)، بل إن كوهن هو الذي صاغ مصطلح تحول النموذج
paradigm shift. ووجه المفاجأة في كون أن مجال العلوم الطبيعية،
الذي كان يعتبر مثالاً نموذجياً على نظرية المعرفة التي تعتمد نظرية التطابق في الحقيقة (أي نظرية المعرفة التي تعتمد أن صحة أية حقيقة في كونها مطابقة للواقع) ومثالاً نموذجياً أيضاً على الدقة والبداهة واليقين، قد حدث فيه أيضاً تحول يعزز التعدد والاختلاف ويعتمدهما في الأساس الصوري والإجرائي لهذه العلوم.
فقد كانت العلوم الطبيعية تقر بتصور لتطورها يعتمد على الضرورة العقلانية، بمعنى أن الانتقال من نظرية علمية إلى أخرى يتم بالضرورة نتيجة لاكتشاف معطيات جديدة في الواقع (طبعاً المعطيات ليست جديدة وإنما ملاحظتنا لها هي الجديدة)، وأن هذا الأمر يتم بتجربة واحدة حاسمة crucial experiment، وفقاً لكارل بوبر، تكشف لنا خطأ النظرية العلمية السابقة ومن ثم تكون أساساً للنظرية العلمية الجديدة وهكذا ننتقل من نظرية علمية إلى أخرى. هذا التصور عقلاني ولكنه غير تاريخي لأن الاكتشافات العلمية تترابط فيه داخلياً، أي من حيث طبيعتها الداخلية ووفقاً لمنطقها الخاص، وبغض النظر عن سياقها التاريخي. صحيح أن اكتشافها قد يرتبط بحاجةٍ ما قد يحددها السياق التاريخي ولكن يظل هذا الارتباط خارجياً بالنسبة لمنطق الاكتشاف نفسه ولا يؤثر فيه، وإنما يشكل مجرَّد تبرير لحدوث الاكتشاف. أي أن هذا التصور الكلاسيكي يفصل بين منطق الاكتشاف ومنطق التبرير، وبسبب هذا الفصل يصير تصوراً غير تاريخي. وهذا التصور عقلاني، كما قلت قبل قليل، لأنه يتبنى وجهة نظر معرفية تجعل النظريات العلمية تترابط فيما بينها نتيجة للتماسك المنطقي لنظام الطبيعة. وهو أيضاً تصور واقعي لأنه يتبنى وجهة نظر ميتافيزيقية تجعل النظريات العلمية تعبّر عن معطيات موجودة فعلاً في الطبيعة (قلت ميتافيزيقية لأن وجودها مفترض قبلياً a priori وسابقاً على أي تجربة، باعتباره مبدأً أولياً).
ولقد هدم توماس كوهن هذا التصور بحيث لم يعد موجوداً في صورته الكلاسيكية هذه في أي تصور للعلوم الطبيعية أتى بعد كتابه المذكور أعلاه. ويمكن تلخيص تصور كوهن كالآتي: يسود في أي عصر، وفي كل مجال معين من العلوم الطبيعية (قد يكون فرع صغير من أحدها يشتغل فيه بضعة عشرات من العلماء)، علم معياري normal
science يعتمد نموذجاً paradigm تحتذيه النظريات العلمية في هذا
المجال. ويظل هذا العلم المعياري ونموذجه سائداً طالما ظل قادراً على تفسير عدد من الوقائع أكبر من تلك التي يفشل في تفسيرها، مما يهدم فكرة التجربة الحاسمة التي تثبت خطأ النظرية. فالعلم المعياري يظل سائداً على الرغم من وجود عدد من التجارب التي تثبت خطأه طالما أن عدد التجارب التي تثبت صحته أكثر (وهو ما يقره ما يحدث فعلاً في المعامل وما ظل يحدث طوال تاريخ تطور العلم) إلى أن يفوق عدد الوقائع التي يفشل في تفسيرها عدد الوقائع التي يستطيع تفسيرها فيدخل العلم المعياري مرحلة أزمته، ويبدأ البحث عن علم معياري جديد يطرح نموذجاً جديداً، ويتم العثور عليه عندما نجد علماً يستطيع أن يفسر الوقائع التي فشل العلم المعياري القديم في تفسيرها، وفي نفس الوقت، يستطيع أيضاً تفسير الوقائع التي كان العلم المعياري القديم ناجحاً في تفسيرها. ومن ثم يكرر العلم المعياري الجديد ذات المراحل، وهكذا دواليك.
هذا التصور انتقل بالعلوم الطبيعية بشكل عام إلى نموذج جديد، يتطابق مع كون أن كوهن هو الذي صاغ هذا المصطلح وإن كان يقصد به الفروع الصغيرة من العلوم الطبيعية. فلم نعد نتصوَّر أن تطور العلم يتم وفقاً للضرورة العقلانية، فهناك جانب عرضي في هذا التطور يعتمد على أن تتالي النظريات العلمية في تاريخ العلم لا يتم لأن اللاحقة كانت أكثر تطابقاً مع الواقع من السابقة، وإنما لأن اللاحقة كانت لها قدرة على التفسير أكثر من السابقة وأكثر من النظريات المعاصرة لها والمنافسة، مما يدخل جانباً يزيد من عرضية هذا التطور ألا وهو جانب التأويل والمعنى طالما أننا نتحدث عن التفسير، بل عن تفسيرات مختلفة ومتنافسة، وطالما أن التفسير الذي يسود لا يسود نتيجة لمطابقته الأفضل مع الواقع وإنما نتيجة لأن الحجج التي اعتمدها أقنعت الآخرين المشاركين في المجال العلمي المعين بقدرته على التفسير أفضل من غيره.
وانتقلنا بذلك من تصور كلاسيكي للعلم الطبيعي يتصف بالعقلانية في وجهة نظره المعرفية وبالواقعية في وجهة نظره الميتافيزيقية إلى تصور جديد للعلم الطبيعي يتصف بعقلانية أخرى جديدة معادية للعقلانية الكلاسيكية، لا تعتمد المطابقة مع الواقع كمعيار وإنما قوة إقناع الحجج، ويتصف أيضاً بمعاداته للواقعية الميتافيزيقية ويتبنى وجهة نظر ترى أن الوقائع ليست موجودة هناك مسبقاً وقَبْلياً وإنما يتم بناؤها في مجرى التفاعل بين المشتغلين في المجال العلمي المعين، أي في التذات intersubjectivity وإن كان على أساس مزاعم التطابق مع الواقع. وهو ما يجعل التصور الجديد تصوراً تاريخياً حقاً لا يفصل بين منطق الاكتشاف ومنطق التبرير وإنما يوحد بينهما، مما يجعل منطق البناء الداخلي للنظرية العلمية يعتمد على السياق التاريخي ليس في التبرير فقط وإنما في الاكتشاف أيضاً.
وهكذا يتطابق تحول النموذج في العلوم الطبيعية مع تحول النموذج في المعرفة الإنسانية عموماً متخطياً النموذج الذي تبنته الماركسية في المعرفة مؤسساً للديمقراطية والتعدد والاختلاف في أكثر المجالات التي كان يتصور أنها الأكثر بعداً عن هذه الأسس النظرية ألا وهو مجال العلوم الطبيعية.
 

أضافها belkis73 في ملف خاص بمحور العلم بين الحقيقة والنمذجة @ 05:42 م
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية