سلمى
فكرية ثقافية فلسفية سياسية
أرنست رينان: (ما هي الأمة?)
أرنست رينان: (ما هي الأمة?)
تقديم وترجمة: حسن شامي

النص الذي ننقله من الفرنسية الى العربية, والحامل عنوان «ما هي الأمة?», هو بالتأكيد أحد النصوص الأساسية في أدبيات الفكر القومي في أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد جاء هذا النص في قالب محاضرة ألقاها المستشرق والمفك ر الفرنسي المعروف أرنست رينان (1823- 1892) في جامعة السوربون في باريس في 11 اذار/ مارس من عام 1882.
قد يكون غنيا عن القول أن العودة الى نص رينان تكتسب كامل قيمتها الراهنة والتاريخية. ذلك أن تصدع الكيانات ذات الطابع الفيدرالي والامبراطوري, كما هي الحال بعد انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفييتي, وفي يوغوسلافيا السابقة, كما كانت الحال لدى انهيار الامبراطورية العثمانية في الحرب الأولى, والامبراطورية النمساوية- المجرية, التصدع هذا دفع بمجموعات سكانية الى الانكفاء على هوية أصلية يحسب لها القدرة على تسوير الأقوام اللائذين بها للعثور على أشكال من التضامن والتماسك الأولين. ومعلوم ربما أن التصدع المشار اليه ويقظة «القوميات» الضيقة التي تتوالد في إثره, يحصلان اليوم على ايقاع «عولمة» شديدة التجريد وكاسحة إذ لا تعير كبير اهتمام بأثقال وأحجام وجاذبيات التاريخيات المحلية و؛الخصوصية». ويمكننا القول, في هذا السياق, بأن الحروب التي شهدتها منطقة البلقان مثلا, وضعت قيد المواجهة تكتلات سياسية ومجموعات سكانية لا تنتمي الى زمن تاريخي واحد. فالدول الأطلسية ذات الكيانات القومية الناجزة, ولو بدرجات متفاوتة, واجهت كيانا فيدراليا يوغسلافيا تنزع أطرافه وفئاته (خصوصا الصرب) الى بناء مثال الأمة على صورة العرق والاثنية والجنسية واللغة والديانة لمجموعة بشرية بعينها. وهذا ما يستثير في المقابل نزوعا لدى الاطراف الآخرين الى التشبث بأشكال أولية من الولاء الاثني واللغوي والاقليمي. لذا تبدو نزاعات الاقوام في يوغوسلافيا, وفي غيرها من الكيانات المفصحة عن هشاشة تقل أو تزيد, كما لو أنها في حال نكوص وارتداد الى بدايات الفكرة القومية في القرن التاسع عشر, فيما تشرع الدول الاطلسية منذ الآن في رسم معالم زمن مستقبلي لا يتوانى بدوره عن ايقاظ أشباح وأرواح قومية- تاريخية يحسب لها دعاة المستقبلية المعولمة المتفائلة حسابا قليلا كما لو أنها دخلت في سبات عميق لا يقظة منه. وسط هذا التوزع بين أزمنة وهويات سياسية وثقافية متباينة, يصبح من الشرعي طرح السؤال مجددا عن مقومات الأمة وماهيتها. من هنا عودتنا الى نص رينان لا بوصفه حامل اجابة شافية وكافية, بل بوصفه محاولة من شأنها تسليط الضوء على جوانب بارزة من التاريخ الحديث لفكرة الأمة.
تجدر الاشارة هنا, الى أن صاحب النص , أي أرنست رينان, أنشأ طريقة وأسلوبا جذابين في تناول مسائل التاريخ والعرق واللغة والديانة, ولم يكن هذا التناول خلوا من اللبس, وأحيانا من التناقض الصريح. فقد تجاذبته نزعات فكرية وثقافية متباينة ومتناقضة , وهذا التجاذب يعود الى سيرته العائلية وانتقاله من الكاثوليكية الى العقلانية والعلموية ذات الطابع الدعاوي الساعي الى انزال العقل والعلم في منزلة الايمان الديني الجديد للبشرية.
فقد ولد ارنست رينان في 28 شباط / فبراير عام 1823 في مدينة «تريغييه» الصغيرة الواقعة في منطقة البريتاني الفرنسية, توفي والده وهو في الخامسة من عمره. ويروي رينان في نص عن ذكريات طفولته وصباه أن أمه وأخته هنرييت التي تكبره باثنتي عشرة سنة والتي تابعت وعايشت عن قرب مسار حياته, تولتا تربيته, وانه ورث من عائلته نزعات متناقضة تتوزع بين الايمان الكاثوليكي الريفي الطابع, وبين العلمانية المتأثرة بأفكار فولتير وعصر الأنوار. وفي مدينة «تريغييه» ذات الطابع الكهنوتي والحافلة بالأديرة والمؤسسات الدينية تلقى دراسته. ودخل عام 1832 الى المعهد الاكليركي في المدينة, ولئن ظهرت عليه امارات التفوق والنجابة, فقد قرر مدير المعهد ارساله عام 1838 الى باريس لمتابعة دراسته الاكليركية, وكان لانتقاله هذا الى العاصمة باريس أثر مصيري وحاسم جعله يعيش التبد ل الطارئ في صورة أزمة نفسية وروحية. درس رينان ثلاث سنوات في باريس وكان يعتقد آنذاك بانه منذور من ذي قبل كي يكون كاهنا كما يولد آخرون محاربين أو قضاة. الا انه راح يكتشف في باريس أشياء كثيرة, من بينها الأدب المعاصر, فانكب على قراءة فيكتور هوغو (1802 - 1885) ولامارتيني (1790- 1869), ولم يكن هاذان الاديبان يحظيان باهتمام الكهنة. وكان ينقصه في تلك الفترة التعرف على العلم الوضعي. وعندما دخل عام 1843 مدرسة سان- سولبيس اتجه نحو العلوم التاريخية ودراسة الايمان المسيحي باعتباره مركز الحقيقة ومدارها الرئيسي. خلال دراسته هذه للاهوت المسيحي والأناجيل, انتابت رينان أزمة شك وصراع داخلي طاولت الايمان المسيحي نفسه, وأحس بأنه لم يعد قادرا على أن يكون كاهنا كاثوليكيا. وفي عام 1845 اتخذ رينان قراره الحاسم بترك الحياة الكهنوتية, وانتقل بدون ضجة الى حياة مدنية, وكان يطلع أخته هنرييت فقط على حقيقة مشاعره وأفكاره.
في تلك الفترة كتب رينان كتابه عن «مستقبل العلم» ولم ينشره إلا لاحقا, هو بمثابة «مانيفست» فكري للدفاع عن العلم والعقل وتصنيف للاعراق والأقوام تبعا لدرجة اقترابها (واحتضانها) من الصورة المثالية والنموذجية للعقلانية الاغريقية. وأنشأ رينان نوعا من التقابل بين عقلية الشعوب السامية النازعة الى البلاغة والقدرية والخرافات والى التصورات الساذجة عن الايمان الديني وبين عقلية ومزايا الشعوب الآرية والهندوأوروبية النازعة الى إعمال العقل والى الأساطير والتراجيديات. وهذا التقابل كان يتغذى من اعجاب رينان بالفكر الألماني, الا انه, أي التقابل, لم يستقر على عبارة واضحة, بل لابسه شيء من الالتباس والغموض. وفي عام 1852 نشر رينان كتابه عن « ابن رشد والرشدية» الذي أعده كأطروحة لنيل الدكتوراة.
ويعتبر هذا الكتاب مرجعا اساسيا حول الفيلسوف العربي وتاريخ انتشار مذهبه في اوروبا, وقد نقله الى العربية عام 1957 عادل زعيتر. وفي عام 1860 ذهب رينان, ومعه اخته هنرييت, في مواجهة الى الشرق وزار فلسطين وسوريا واقام فترة في جبل لبنان, إلا أنه أصيب هو وأخته عام 1861 بحمى أفقدتهما الوعي, وعندما استفاق بعد 23 ساعة من الغيبوبة اكتشف ان شقيقته قد توفيت, ووافق على دفنها في بلدة عشيت في جبل لبنان, وقد روى وقائع رحلته هذه في كتاب «مهمة فينيقيا». في عام 1878 انتخب رينان عضوا في الاكاديمية الفرنسية وفي عام 1883 أصبح مديرا للكوليج دو فرانس. وفي السنة ذاتها اصدر كتابه «ذكريات الطفولة والصبا» وألقى محاضرة في السوربون بعنوان «الاسلام والعلم» ورد عليها جمال الدين الأفغاني (1839- 1897) الذي كان في باريس آنذاك, ورد رينان بدوره على رد الأفغاني في الجريدة التي نشرت تباعا المحاضرة ورد الأفغاني, وهي «جرنال دو ديبا».
الى ذلك نشر رينان عديد الكتب الدائرة على تاريخ الأديان والأجناس واللغات, خصوصا تلك المتعلقة بالشعوب السامي ة وبأصول المسيحية, وأحدث كتابه عن «حياة يسوع» جدلا شهد المشرق العربي بعض رذاذه. وألقى رينان عددا كبيرا من الخطب والمحاضرات نشرها في كتاب مستقل أعيد طبعه عدة مرات. وفي تقديمه لكتاب «خطب ومحاضرات» والمؤرخ بيوم الأحد في 8 مايو من عام 1887, يحرص ارنست رينان على التشديد بأن «القطعة» التي يع لق عليها أهمية خاصة تفوق أهمية الأجزاء والقطع الأخرى والتي يسمح رينان لنفسه بأن يلفت انتباه القارئ اليها, انما هي محاضرته «ما هي الأمة?». ذلك «أنني حرصت على أن أزن كل كلمة منها بعناية فائقة! إنها خلاصة معتقدي ومذهبي فيما يتعلق بالأشياء الانسانية», بحسب ما قال في تقديمه.
والراجح لدينا أن أرنست رينان سعى في محاضرته هذه الى وضع الفكرة القومية في منظار انسانوي منفتح, وتنبأ بأن أوروبا الغارقة في نزاعات وحروب قومية سوف تتوصل في المستقبل الى نوع من الاتحاد الفيدرالي. الا أن انسانويته هذه ظلت مشدودة الى نزعة مركزية- أوروبية, فيما كانت نظرته الى العوالم الأخرى, خصوصا الاسلام والعالم العثماني, تتسم بالاستعلاء المعرفي والتاريخي, وتبريرات صريحة للسياسات الامبريالية الاوروبية. فهو مثلا, في خطاب ألقاه في الاكاديمية الفرنسية عام 1885, تكريما لفرديناند دو ليسيبس صاحب مشروع شق قناة السويس, أي بعد ثلاث سنوات تقريبا على محاضرته «ما هي الأمة?», رأى رينان ان «مصر ليست أمة, انها مدار رهان, تكون تارة مكافأة لعملية سيطرة بحرية انتزعت بصورة شرعية, وتكون تارة أخرى عقابا على طموح لم يحسن تقدير قوته. وعندما يكون لبلد وأناس دور يطاول المصالح العامة للانسانية, فانه سيضحي بهم من أجل ذلك. إن أرضا يعلق عليها العالم كله أهمية الى هذا الحد, لا يسعها أن تنتمي الى ذاتها, إنها موقوفة على الانسانية, والمبدأ القومي مقتول فيها. (...) ستكون مصر محكومة على الدوام من قبل مجموع الامم المتحضرة».
ما هي الأمة?
آليت على نفسي أن أقوم وإياكم بتحليل فكرة تبدو في الظاهر واضحة, إلا أنها عرضة لأخطر حالات سوء الفهم. إن أشكال المجتمع الانساني لهي في غاية التنوع. خذوا التجمعات البشرية الكبيرة على الطريقة المعهودة في الصين, ومصر, وبابل القديمة جدا, - وخذوا القبيلة على الطريقة المعهودة لدى العبريين», ولدى العرب; - وخذوا الحاضرة على طريقة أثينا واسبارطة, - وخذوا اتحادات البلاد العديدة على الطريقة المعروفة في الامبراطورية الأخميدية, والامبراطورية الرومانية, والامبراطورية الكارلوفنجية,- وخذوا الجماعات التي تعيش بدون وطن, والتي تتماسك بفضل الرابطة الدينية, كما هي الحال لدى الاسرائيليين والمجوس; - وخذوا الأمم مثل فرنسا وانجلترا وغالبية الكيانات الاوروبية المستقلة والحديثة; - وخذوا الاتحادات الفيدرالية على طريقة سويسرا وأمريكا; - وخذوا أشكال القرابة, كما أشكال العرق, أو اللغة بالأحرى, القائمة بين مختلف فروع الجرمانيين, ومختلف فروع السلافيين; تلكم أنماط تجم ع موجودة كل ها, بيد أن الخلط بينها سينطوي لا محالة على مساوئ جدية للغاية. وقد شاع الاعتقاد, في زمن الثورة الفرنسية, بأن المؤسسات التي قامت في مدن صغيرة ومستقلة, مثل اسبارطة وروما, يمكن تطبيقها في أممنا الكبيرة التي تعد بين ثلاثين وأربعين مليون نسمة. وفي أيامنا هذه, يرتكب خطأ أكثر فداحة, يجري الخلط بين العرق والأمة, كما تنسب الى مجموعات اناسية (اتنوغرافية), أو بالأحرى لغوية, صفة سيادة مشابهة للسيادة التي تتمتع بها الشعوب القائمة فعليا. فلنحاول جاهدين التوصل الى شيء من الدقة في معالجة هذه المسائل الصعبة, اذ يمكن, منذ بداية التعليل, لأدنى تشوش في معنى الكلمات, أن يحدث في النهاية اكثر الأخطاء شؤما. ما سنقوم به أمر دقيق للغاية; إنها تقريبا عملية تشريح; إذ أننا سنتناول الأحياء كما جرت العادة أن نتناول الأموات. ولذلك فاننا سنبذل أقصى ما يمكن من البرودة وعدم التحي ز.
1
منذ نهاية الامبراطورية الرومانية, أو بالأحرى منذ انشطار امبراطورية شارلمان, تبدو لنا أوروبا الغربية منقسمة الى أمم سعت بضع منها, في أوقات معينة, الى ممارسة هيمنتها على الأمم الأخرى, الا انها لم تنجح أبدا في تحقيق ذلك لمد ة طويلة. ما لم يستطع فعل شارل- كوانت ولويس الرابع عشر ونابليون الأول, لن يقوى أحد في المستقبل, على الأرجح, على القيام به. ان بناء امبراطورية رومانية جديدة أو تجديد امبراطورية شارلمان أصبح أمرا مستحيلا. فانقسام أوروبا بات كبيرا للغاية بحيث أن أية محاولة سيطرة عالمية ستدفع سريعا الآخرين الى تشكيل ائتلاف يدفع بالأمة الطموحة الى الانكفاء داخل حدودها الطبيعية. لقد نشأ نوع من التوازن مؤهل للعيش طويلا. وستبقى فرنسا وانجلترا وألمانيا وروسيا, خلال مئات السنين, وبالرغم من المغامرات التي قامت بها, ستبقى فرديات تاريخية, والأحجار الاساسية للعبة ضامة حيث الخانات تشهد بدون توقف تنوعا من ناحية الأهمية والكبر ولكنها لا تقبل أبدا خلطها مع بعضها البعض.
عندما نفهمها على هذا النحو, تكون الأمم شيئا جديدا على التاريخ. لم يعرفها الزمن القديم; اذ لم تكن مصر والصين وكلدة القديمة أمما بأي درجة كانت. لقد كانت بمثابة قطعان يقودها ابن للشمس وابن للسماء. لم يكن هناك مواطنون مصريون كما لا يوجد مواطنون صينيون. لقد شهد العهد الكلاسيكي القديم جمهوريات وممالك بلدية, كونفيدراليات لجمهوريات محلية, امبراطوريات; لكنه (العهد القديم) لم يعرف الأمة بالمعنى الذي نفهمه. كانت أثينا واسبارطة وصيدون وصور مراكز صغيرة تجلت فيها نزعة وطنية مثيرة للاعجاب; لكنها تبقى مدنا قائمة فوق مساحة اقليمية ضيقة نسبيا. بلاد الغول واسبانيا وايطاليا كانت, قبل أن تمتصها الامبراطورية الرومانية, تشكل مجموعات من الأقوام وكانت غالبا متضافرة بين بعضها البعض, غير أنها كانت بدون مؤسسات مركزية وبدون سلالات حاكمة. الامبراطورية الآشورية, الامبراطورية الفارسية, وامبراطورية الاسكندر, هي أيضا لم تكن أوطانا. فلم يكن هناك أبدا وطنيون آشوريون, وكانت الامبراطورية الفارسية اقطاعية واسعة. كذلك لا نجد أمة واحدة تربط أصولها بمغامرة الاسكندر الهائلة, وإن كانت هذه المغامرة غني ة النتائج فيما يتعلق بالتاريخ العام للحضارة.
الامبراطورية الرومانية كانت بالفعل أقرب (من غيرها) الى أن تكون وطنا. فمع وقف الحروب الذي عاد بمحاسن واسعة, سرعان ما أصبحت السيطرة الرومانية محببة الى القلوب, بعد أن كانت قاسية جدا في البداية. لقد كانت تجمعا كبيرا رديفا للنظام والسلم والحضارة. وفي الأوقات الاخيرة من حياة الامبراطورية, تولد لدى النفوس المهذبة, لدى الأساقفة المتنورين ولدى المتعلمين شعور حقيقي «بالسلم الروماني» الذي يتعارض مع الخواء المهد د الذي تحمله البربرية. بيد أن امبراطورية تبلغ مساحتها اثنتي عشرة مرة مساحة فرنسا الحالية, لن يكون في وسعها تشكيل دولة في المعنى الحديث للكلمة. فقد كان الانقسام بين الشرق والغرب أمرا يستحيل تفاديه. والمحاولات التي جرت في القرن الثالث الميلادي لبناء امبراطورية غولية (نسبة الى بلاد الغول) لم تعرف النجاح. الغزو الجرماني هو الذي أدخل الى العالم المبدأ الذي جرى استخدامه لاحقا كأساس لوجود الجنسيات.
ما الذي صنعته, بالفعل, الشعوب الجرمانية منذ اجتياحاتها الكبرى في القرن الخامس الميلادي وصولا إلى آخر غزواتها النورماندية في القرن العاشر? لقد أحدثت تغييرا طفيفا في عمق الأعراق; لكنها فرضت سلالات وارستقراطية عسكرية على أجزاء من امبراطورية الغرب القديمة, وقد حملت هذه الأجزاء المعتبرة بهذا القدر أو ذاك اسم غزاتها. من هنا جاءت أسماء فرنسا, وبورغنديا, ولومبارديا, والنورماندي لاحقا. إن السطوة السريعة التي حظيت بها امبراطورية الافرنج أعادت خلال برهة معينة بناء وحدة الغرب; لكن هذه الامبراطورية تكس رت نهائيا في حوالي منتصف القرن التاسع; وقد رسمت معاهدة فردان مقسمات ثابتة من حيث المبدأ, ومنذئذ بدأت فرنسا وألمانيا وانجلترا وايطاليا واسبانيا تسير, عبر دروب تعر ضت غالبا للانعطاف وعرفت ألف مغامرة نحو وجودها القومي الممتلئ, كما نشاهد تفتحه اليوم.
وبالفعل, ما الذي يسم بسمات خاصة هذه الدول المختلفة?
إنه انصهار السكان المؤلفين لها. لا نجد في البلدان التي عددناها آنفا, شيئا مماثلا لما تجدونه في تركيا حيث بقي التركي, السلافي, اليوناني, الأرميني, العربي, السوري, الكردي, متميزين اليوم عن بعضهم البعض كما في اليوم الأول للسيطرة. ثمة ظرفان أساسيان هما في الوصول الى هذه النتيجة. وأولهما واقعة ان الشعوب الجرمانية تبن ت المسيحية بمجرد حصول احتكاك متواصل بعض الشيء مع الشعوب الاغريقية واللاتينية. وعندما يكون الغالب والمغلوب من نفس الديانة, أو بالأحرى عندما يتبنى الغالب ديانة المغلوب, كما هي الحال في المنظمة التركية, فإن التمييز المطلق بين البشر على أساس الديانة, لا يمكن له أن يحصل. الظرف الثاني هو نسيان الغزاة للغتهم بالذات. إن أحفاد كلوفيس وآلاريك وغوندبو وألبوان ورولون, كانوا من ذي قبل يتكل مون الرومانية.
هذه الواقعة كانت في حد ذاتها نتيجة لخاصية أخرى وهامة وهي أن الافرنج والبورغنديين والغوثيين واللومبارديين والنورمانديين, كان معهم القليل جدا من النساء المنحدرات من ذات العرق. وخلال عدة أجيال, لم يتزوج القادة إلا من نساء جرمانيات, غير أن المحظيات كن لاتينيات, ومربيات الأطفال كن لاتينيات; كانت القبيلة بأسرها تتزوج من اللاتينيات; أدى هذا الأمر الى جعل النسب الافرنجي والنسب الغوثي, منذ استقرار الافرنج والغوثيين في الأراضي الرومانية, لا يعرف الا مصائر قصيرة الأمد. لم يكن الأمر كذلك في انجلترا, ذلك أن الاجتياح الانجلو - سكسوني جلب معه النساء, وهذا أمر لا شك فيه; وقد فر السكان البريتون, ناهيك عن أن اللغة اللاتينية ما عادت, بل لم تكن أبدا في السابق, مسيطرة في منطقة البريتاني. إذ لو كان الناس يتكلمون عموما اللغة الغولية في بلاد الغول في القرن الخامس, لما تخلى كلوفيس وجماعته عن اللغة الجرمانية من أجل التكلم بلغة الغول.
من هنا تتأتى هذه النتيجة الرئيسية وهي أنه بالرغم من العنف الشديد الذي اتسمت به عوائد الغزاة الجرمانيين, فان القالب الذي فرضه هؤلاء أصبح, على مر القرون قالب الأمة بالذات. كلمة فرنسا أصبحت بصورة مشروعة جدا الاسم الذي يطلق على بلد لم تدخله سوى أقلية غير منظورة من الافرنج. ففي القرن العاشر الميلادي, يظهر واضحا في الأغنيات الأولى «للحركة» وهي مرآة كاملة لروح العصر آنذاك, يظهر أن جميع قاطني فرنسا هم فرنسيون. وفكرة وجود اختلاف في الاعراق بين سكان فرنسا, وهي الفكرة البديهية جدا لدى غريغواردي تور, لا تظهر من تلقاء ذاتها وبأية درجة من الدرجات لدى الكت اب والشعراء الفرنسيين الذين جاءوا في اعقاب «هونج كابيه». الاختلاف بين النبيل والوضيع هو ما شهد أقصى ما يمكن من التشديد; بيد أن الاختلاف بين الواحد والآخر لم يكن في شيء اختلافا اتنيا; انه اختلاف في الشجاعة, وفي العادة, وفي التربية المتوارثة; ولم تخطر على بال أحد الفكرة القائلة بأن أصل كل ذلك هو الفتح. إن النظمة الخاطئة القائلة بأن أصل النبالة يعود الى امتياز منحه الملك مقابل الخدمات الكبيرة المسداة الى الأمة, الى حد أن كل نبيل انما هو انسان خلعت عليه صفة النبالة, هذه النظمة تأسست وترسخت كما لو أنها عقيدة منذ القرن الثالث عشر. وقد حصل الشيء ذاته إثر كافة الفتوحات النورماندية تقريبا. فبعد جيل أو جيلين لم يعد الغزاة النورمانديون يتميزون عن باقي السكان; غير أن هذا لم يقلل من شأن تأثيرهم العميق, إذ أنهم أعطوا البلد المحتل طبقة نبلاء وعوائد عسكرية ونزعة وطنية لم يعرفها هذا البلد من قبل.
إن النسيان, لا بل الخطأ التاريخي, هما عامل أساسي لخلق الأمة, ولهذا فإن تقدم الدراسات التاريخية ينطوي غالبا على خطورة تتهدد الجنسية. فالبحث التاريخي يسلط الضوء, بالفعل, على وقائع العنف التي حصلت في بداية كل التشكيلات السياسية, بما في ذلك التشكيلات التي أفضت الى أحسن النتائج وخيرها. تحصل الوحدة دائما بصورة فظة, اجتماع فرنسا الشمالية الى فرنسا الوسطى كان نتيجة لعملية ابادة وارهاب متواصل طيلة قرن تقريبا. خذوا ملك فرنسا, وهو النموذج المثالي لصانع عملية تبلور عريقة تحصل مرة في كل قرن إذا جازت العبارة, ملك فرنسا الذي صنع الوحدة الوطنية الأكثر اكتمالا والتي يمكنها أن تكون, ملك فرنسا هذا, حين ننظر اليه عن كثب, نجد أنه فقد حظوته, فالأمة التي شكلها قامت ولعنته, ولم يعد هناك اليوم سوى النفوس المثقفة لمعرفة قيمته وصنائعه.
ما جعل هذه القوانين الكبرى لتاريخ أوروبا الغربية تصير حساسة, إنما هو التضارب. فالمشروع الذي باشره ملك فرنسا, معتمدا على الطغيان حينا وعلى العدالة حينا آخر, وقاده بطريقة مثيرة للاعجاب, فشل في انجازه العديد من البلدان, ففي عهد سان- اتيان, بقي المادغيار والسلافيون متمايزين عن بعضهم البعض كما كانوا قبل ثمانمائة عام. كذلك بالنسبة إلى أسرة هابسبورج التي استبعدت عملية صهر العناصر المتنوعة لممالكها وأبقتها متمايزة, بل متعارضة غالبا بين بعضها البعض. وفي بوهيميا, نجد العنصر التشيكي والعنصر الألماني متراكبين الواحد فوق الآخر كالزيت والماء في قدح واحد. كذلك السياسة التركية القائمة على الفصل بين الجنسيات على أساس الديانة, فإنها قادت الى نتائج أكثر خطورة وفداحة: لقد تسب بت بانهيار الشرق. خذوا مدينة مثل سالونيك أو سميرنا, ستجدون فيها خمس أو ست جماعات تمتلك كل واحدة منها ذكريات خاصة بها, ولا نعثر تقريبا على أي أمر مشترك بينها ونحن نعلم أن جوهر الأمة يكون في وجود الكثير من الأشياء المشتركة بين سائر أفرادها, وبأن سائر هؤلاء الافراد قد نسوا العديد من الأشياء. إن أي مواطن فرنسي لا يعرف إذا كان بورغنديا, آلان, تايغل, فيزيغوث, وينبغي على كل مواطن فرنسي أن يكون قد نسي سان- برتلمي والمجازر التي وقعت في المنطقة الوسطى في القرن الثالث عشر. لا يوجد في فرنسا عشر عائلات تستطيع أن تقدم حجة دامغة على أصلها الافرنجي, وحتى لو قد مت هذه الحجة فانها ستكون ضعيفة ومعتلة بسبب ألف تقاطع مجهول من شأنه أن يشوش كافة النظم التي يضعها النسابون.
الأمة الحديثة هي إذن نتيجة تاريخية حملتها سلسلة من الوقائع المتلاقية في ذات الاتجاه. تحققت الوحدة تارة على يد سلالة حاكمة, كما هو الحال في فرنسا; وتحققت تارة أخرى بفضل الارادة المشتركة للأقاليم, كما هو الحال بالنسبة الى هولندا, وسويسرا, وبلجيكا, وحصلت الوحدة تارة أخرى بفضل روح عامة تغلبت بعد تأخر ما على أهواء الاقطاعية, كما هي الحال بالنسبة الى ايطاليا وألمانيا. كان هناك دائما سبب وجود عميق ترأس هذه التشكيلات. وفي مثل هذه الحالات, تسطع المبادئ عن طريق المفاجآت الأبعد من غيرها عن الحصول. لقد شاهدنا, بأم أعيننا في هذه الأيام, ايطاليا موحدة بفضل هزائمها, وتركيا منهارة بسبب انتصاراتها. كل هزيمة كانت تدفع شؤون ايطاليا الى الأمام, وكل انتصار كان يدفع تركيا الى الضياع, ذلك أن ايطاليا أمة, بينما تركيا, خارج حدود آسيا الصغرى, ليست أمة. والمجد في ذلك يعود الى فرنسا لأنها أعلنت عبر الثورة الفرنسية بأن الامة تنوجد بذاتها. ولا ينبغي لنا أن نعتبر أمرا سيئا قيام الآخرين بتقليدنا. فمبدأ الأمم هو مبدؤنا. ولكن ما هي الأمة إذن? ولماذا تكون هولندا أمة بينما لا تكون هانوفر أو الدوقة الكبيرة لبارما أمة? وكيف تستمر فرنسا في أن تكون أمة في حين أن المبدأ الذي أنشأها قد زال? كيف تكون سويسرا أمة وهي تشمل ثلاث لغات وديانتين وثلاثة أو أربعة أعراق بينما لا تكون توسكانة, مثلا, أمة وهي المتجانسة الى هذا الحد الكبير? لماذا تكون النمسا دولة وليست أمة? فيم يختلف مبدأ الجنسيات عن مبدأ الأعراق? تلك هي المسائل التي يستمسك بها من له عقل يفك ر لكي يكون متفقا مع ذاته. صحيح أن شؤون العالم لا تنتظم البتة عن طريق هذا النوع من التعليلات, لكن الرجال المتمرسين يتوقون الى ادخال شيء من العقل في هذه المسائل, وإلى إزالة الابهامات التي تتخبط فيها النفوس السطحية.
أضافها belkis73 @ 07:48 ص
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية